مصر وإسرائيل: أربعون عاما من صحراء السلام البارد

by civicegypt
مؤمن سلاّم و د. أوفير وينتر*

نسخة عربية من المقال المنشور بالانجليزية والعبرية في مجلة معهد دراسات الأمن القومي (INSS) – جامعة تل أبيب

ملخص

في ظل حلول الذكرى الأربعون لمبادرة السلام التاريخية التي قام بها الرئيس السادات، يمكن القول بان أسس السلام التي أرساها الرئيس المصري خلال زيارته للقدس لازالت مترسخة ومستقرة إلى حد بعيد. ولكن بالرغم من ذلك، لا يزال السلام يتسم بنوعا من الجمود او الهدوء او كما يمكن توصيفه بالسلام البارد الذي يكاد يقتصر على العلاقات الدبلوماسية بين الحكومات فحسب، بحيث لا يتسع ليشمل علاقات طيبة أو طبيعية بين الشعبين على العديد من المستويات. وينصب محور ارتكاز هذا المقال على تحليل العوامل والأسباب الكامنة التي أسفرت عن خلق هذه العلاقات الباردة وتشكلها على هذا النحو بين الدولتين؛ ذلك علاوه على تسليط الضوء على التغيرات الإيجابية التي طرأت على جيل الشباب المصري في الآونة الأخيرة فيما يختص برؤيتهم واعادة صياغتهم للعديد من المفاهيم المتعلقة باسرائيل، منذ اندلاع ثورة 25 يناير 2011 ، فضلا عن ادراك المعوقات او القيود المعرقلة والمستدامة التي تقف حائلا دون بلوغ علاقات اقل حساسية او اكثر طبيعية من شأنها تحقيق سلاما أكثر دفئاً بين الشعبين. وعلى ساحة النقاش والجدل حول هذة المسألة، يرى كاتبان- مصري وإسرائيلي، أن الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية الحالية تفتح لمصر وإسرائيل آفاقا جديدة تتيح فرص توسيع علاقتهما وتعميقها، الا أن القيام بذلك يتطلب تجديد أسس السلام بهدف توطيد الثقة المقتصرة على المجال الأمني لتشمل مجالات أخرى، اضافة إلى فتح أجواء غير حكومية لإحداث التعاون فيما بين المدنيين من الدولتين.

מצרים ישראל 1977

——–

في 19 نوفمبر، 2017، تقوم مصر وإسرائيل باحياء الذكرى الأربعون لزيارة الرئيس السادات التاريخية إلى القدس، والتي أطلق عبرها الرئيس المصري من على منصة الكنيست الإسرائيلي، دعوته التاريخية للسلام “آخر الحروب، ونهاية الآلام… بداية جديدة لحياة جديدة، حياة الحب والخير والحرية والسلام”

تعد الذكرى الأربعون لهذا العمل الرائد، والذي اعقبه مفاوضات مطولة اسفرت في النهاية بنجاح عن توقيع إتفاقية السلام في 26 مارس 1979، بمثابة دعوة لإعادة تقييم أهداف تلك الاتفاقية وما انبثقت عنه من نجاحات وإخفاقات شهدها السلام المصري الإسرائيلي حتى الأن. فقد كان الأمل، خاصة في إسرائيل، أن تؤدي الإتفاقية إلى علاقات جوار ودية بين المصريين والإسرائليين ترتكز في الأساس على إحداث التعايش وقبول الآخر والسعى لتحقيق المصالح المشتركة. إلا أنه على أرض الواقع في الممارسة التطبيقية العملية، ظل السلام المصري الإسرائيلي “بارداً” بين الدولتين، بحيث يقتصر على توفير ما هو أكثر من “سلام سلبي” أشبة بالهدنة من جهة وما هو أقل من “سلام إيجابي” يتضمن في معناه الواسع المصالحة، والقبول المشترك، والتعاون البناء بين الدولتين والشعبين.

فقد انصب اهتمام كل من مصر وإسرائيل بصفة حصرية على تحقيق التنسيق الأمني التكتيكي بين القوات المسلحة في الدولتين، علاوة على ارساء علاقات دبلوماسية لائقة، واتاحة مساعي محددة على صعيد التعاون الاقتصادي، بينما ظل تطوير العلاقات المدنية بين الشعبيين مكبلا في صورة علاقات اقتصادية أوسع، ومن ثم، بدت عملية قيام التبادل الثقافي رؤية بعيدة المنال.

في مستهل عصر السلام، وفي أعقاب ثلاثة عقود من العداء والحروب الدموية، بدى جلياً مدى صعوبة تحول الفكر الثقافي أو العقلية والوعي السائد في الوقت الحالي، من الصراع إلى السلام- وان تلك العملية لن تكون بالأمر الهين. وقد كان الرئيس السادات نفسه يأمل في أن تتحقق عملية المصالحة، والعيش المشترك، والتطبيع بين مصر وإسرائيل على يد جيل قادم في المستقبل. ففي حوار مع مجلة أكتوبر الأسبوعية الصادرة في فبراير 1980، أوضح السادات أنه لا يمكن إجبار الشعوب على محو أو تحويل مشاعرهم العاطفية المليئة بالأوجاع المتراكمة عبر سنوات طويلة من الصراع. ونتيجة لذلك، لم يجبر السادات الشعب المصري للإتجاه نحو بناء علاقات طيبة طبيعية مع الشعب الإسرائيلي، لكنه دعى الشعب المصري لتمهيد الطريق لمثل هذه العلاقات، متوسماً ان يتكفل الزمن بدورة في تضميد الجروح.

أما في الوقت الحاضر، في زمن “جيل المستقبل” الذي ذكره السادات، من الأهمية بمكان دراسة أسباب عرقلة التغيرات التي تم تصورها، وهل بإمكان أيا من الجانبين أن يتخذ خطوات لتحفيزها، وإذا كان هذا ممكنا، فكيف يمكن بلوغ ذلك؟ وتبرز أهمية هذه الأسئلة على نحو أكبر في ظل حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، وفي ضوء التعاون الأمني الوثيق بين الدولتين في حربهما المشتركة ضد التهديدات الارهابية التي تتعرض لها الدولتين من شبة جزيرة سيناء وقطاع غزة، بالإضافة إلى علاقات الثقة التي تم بنائها بين المسؤوليين المصريين والإسرائليين العامليين بالتوازي في المجالين السياسي والعسكري. من ناحية أخرى، من المهم الأخذ في الاعتبار المصالح المشتركة التي ظهرت في المجال الاقتصادي، خاصة في قطاع الطاقة، في ضوء إكتشافات الغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط. وفي نفس السياق، يأتي تراجع اهتمام الرأى العام المصري بالصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، خاصة بين الأجيال الشابة، على خلفية الاضطراب الداخلي والاقليمي والذي جذب انتباه الرأى العام في الأعوام الأخيرة.

وعلى صعيد متصل، تتيح هذه الأوضاع لكل من مصر وإسرائيل فرصة بدء عهداً أو فصلاً جديدأ بشأن اعادة تشكيل العلاقة على كافة المستويات، إلا أن القيام بذلك يتطلب صياغة جديدة لسياسات الحكومتين تهدف إلى تشجيع تطوير وإضافة الطابع المؤسسي على التعاون في المجالات المختلفة بين المدنيين في الدولتين، والتي بطبيعة الحال ستجلب النفع والإستفادة كنتيجة لإحياء عملية السلام الإسرائيلية – الفلسطينية.

جذور السلام البارد: النقاش

بطرس بطرس غالي
ربما يكون السلام المصري – الإسرائيلي مرتبط بشكل قوي بمصطلح “السلام البارد”، والذي صكه عام 1982، بطرس بطرس غالي وزير الدولة للشؤون الخارجية المصري، لوصف العلاقات المحدودة، والمتحفظة، والعدائية في هذا الوقت بين الدولتين. ومن جانبهم، احتدم الجدل بين المؤرخين حول توصيف السلام المصري – الإسرائيلي بأنه سلاماً “بارداً”، وكذلك الظروف التي أدت إلى اعطاءه تلك الصفة.

على مدار الوقت، تم وصف السلام المصري – الإسرائيلي بالعديد من سمات السلام “البارد” في كثير من الأدبيات النظرية.

فقد اعتقد كل من أمنون أران ورامي جينات، أنه منذ العقد الثاني لنظام مبارك، لم يعكس المصطلح “سلام بارد” بشكل دقيق مدى التطور في العلاقات الثنائية، ولذلك يتعين استبداله بمصطلح “سلام استراتيجي”، للتعبير عن التغيرات الإيجابية التدريجية التي طرأت وفقا لمقياس أكثر تحديدا يعكس الفارق بين “السلام البارد” و “السلام المستقر”. ومن وجهة نظرهما، اتخذت تلك التغيرات شكل التطور في علاقات تدعيم الثقة بين المؤسسات السياسية والأمنية في الدولتين في العديد من المجالات، من بينها التوسع في حجم التجارة بين الدولتين.

وعلى الرغم من ذلك، نؤكد أن مصطلح “السلام البارد” مازال يعبر بدقة عن العلاقات المصرية – الإسرائيلية في المرحلة الراهنة. فلا ينبغي قياس الاستقرار والوزن الاستراتيجي لهذا سلام بالتعاون الأمني التكتيكي فحسب، والذي بطبيعته يعتمد على الأوضاع المتغيرة، أو يرتبط بالعلاقات السياسية والاقتصادية، التي تتحكم فيها القيادات العليا في الدولة والحكومة؛ على العكس، يتعين قياسها أيضا وفقاً لطبيعة العلاقات بين القطاعات المدنية غير الحكومية. ولهذا، صلاحية المصطلح “سلام بارد”، تأتي من المنظور الضيق لمفهوم “التطبيع” (الذي يعرف باعتباره “المشاركة في نسق من العلاقات السلمية والتعاونية، كمقابل لعلاقات بطبيعتها تقوم على الصراع والمواجهة، في مجالات متعددة – سياسية، واقتصادية، وثقافية – وكذالك بين قطاعات رسمية وشعبية ) الذي قام بين الدولتين منذ توقيع اتفاقية السلام.

منذ مستهل فترة السلام، كانت مصر حريصة على التحكم في عملية التطبيع مع إسرائيل وتحجيمها عن طريق وضع إطار منظم ومحدد للعلاقات، يُملي المنظور، والعمق، والقطاعات المصرح لها باقامة العلاقات، والتى من خلالها لا يمكن إحداث تغيرات جذرية جديرة بالملاحظة سواء كانت إيجابية أو سلبية. وقد حمى هذا الإطار الأصول الوطنية النفيسة للسلام عن طريق ضمان قنوات الاتصال الدبلوماسي والأمنى، وحرية المرور في قناة السويس، فاضلاً عن الروابط الأرضية، وتعاملات تبادل تجاري ضيقة النطاق تخضغ لرقابة صارمة، وكذالك مجال السياحة (وإن لم يكن هناك تشجيعاً حقيقياً ملموساً).

لكن الجدير بالملاحظة، أن هذا الإطار قد وضع العديد من القيود التي حالت دون تحقيق علاقات التفاعل بين المجتمع المدني، وتضيق نطاق حرية الحركة التي تتمتع بها الشركات ورجال الأعمال في القطاع الخاص، وفي عدد من المناسبات فرضت حصار على المصريين الذين حاولوا التخلص أو التحرر من مثل هذه القيود. فمن الناحية العملية، تمنع سفر المصريين إلى إسرائيل بدون الحصول على تصريح أمني خاص ، وتعيق التطور الطبيعي للعلاقات بين المجموعات والأفراد في المجالات الاقتصادية، والاجتماعية، والفكرية، والعلمية، والثقافية، والرياضية. وهذه الحقيقة جعلت من تطور سرديات المصالحة وعلاقات حسن الجوار، الضرورية لكسر الجليد بين الشعبيين وزيادة استقرار السلام، أمراً في غاية الصعوبة.

ويمكن القول بأن مصر هى من أملت العلاقات الباردة، بالرغم من وجود بعض النقاشات حول مدى مسؤولية كل دولة عن التسبب في احداث هذه فجوة في العلاقات. فقد اقر سفيرى إسرائيل لدى القاهرة في الفترة من 1981 إلى 1988، ومن 1988 إلى 1990، موشى ساسون وشيمون شامير، على التوالي، بأن بعض تصرفات الحكومة الإسرائيلية أثناء السنوات الأولى للسلام قد أحرجت مصر أمام الرأى العام المصري والعربي. ولعل أكثرها إحراجا على الإطلاق كان ضم القدس الشرقية وهضبة الجولان، والتوسع في بناء المستوطنات، والأهم من كل ذلك، اندلاع الحرب اللبنانية الأولى. ومن وجهة نظر كلاهما، سفهت هذه الأحداث من توقعات مصر في حدوث تسوية إقليمية واسعة ترسخ اتفاقها الرائد مع إسرائيل في ضوء شرعي؛ إلا أن النتيجة كانت انهيار حاد في رغبة مصر في تحفيز التطبيع. وهذا التفسير يتوافق مع الموقف المصري الرسمي وميله نحو تحميل السياسات الإسرائيل مسئولية برودة العلاقات المصرية – الإسرائيلية، التي جاءت محبطة للآمال المصرية في تحويل اتفاقية السلام إلى حجر زاوية بغية تحقيق سلام إقليمي شامل وجعلت العلاقات الدافئة مشروطة بتحقيق اختراق سياسي في عملية السلام.

من جهة أخرى، يؤكد تفسير آخر مناقض أن السلام البارد يناسب القيود السياسية والإستراتيجية، والاقتصادية، والاجتماعية، والنفسية والثقافية التي مازالت تؤثر في النظم المصرية، والتي أملت مبكرا منذ عصر السادات إطار ضيق من العلاقات التي لم تتأثر بالسلوك الإسرائيلي. ويمثل إفرايم دوفيك، السفير الإسرائيلي لدى القاهرة في الفترة من 1990 إلى 1992، والمؤرخ إيلي بوديه، نموذجين لأنصار هذا الإتجاة. فقد رأى بوديه أن السلام البارد قد خدم مصالح المؤسسات المصرية الحاكمة، بطريقة مثلى، حيث مثل تحفيز التطبيع خطر شديد على شرعية النظام داخليا وخارجيا. ولهذا، لم تعير مصر اهتماما يلحظ صوب التحرك نحو السلام الدافئ.

بالإضافة إلى ذلك، قد أبرز الليبراليون المصريون دور المصالح المؤسسية المصرية في الحفاظ على البنى التقليدية للعداء تجاة إسرائيل من منظور مختلف، من حيث ترسيخ صورة إسرائيل باعتبارها “العدو الخارجي”، حتى في ظل السلام، على حد تعبيرهم، فقد ساعدت السلطة في القاهرة على إلهاء المواطنين عن الصعوبات المحلية، وتبرير الإنتهاكات للحقوق الشخصية (على سبيل المثال، عبر تطبيق قانون الطوارئ)، وتجنب الإصلاحات التى قد تهدد وضعها. ومن ناحية اخرى، كانت قد تستطيع العلاقات الوطيدة الحرة مع إسرائيل أن تكشف وتُبرز للرأى العام المصري الفوارق السياسية، والاقتصادية، والعلمية بين المجتمعين، مما كان يغذي الإنتقادات الداخلية للنظام، ويشجع المطالبات بالتحول الديمقراطي.

جيل الشباب المصري والسلام مع إسرائيل

بالرغم من رؤية الكثيرين، على مدار فترات زمنية طويلة، العداء السائد الرأى العام المصري تجاه إسرائيل باعتباره العائق الرئيسي لإرساء علاقات أكثر دفئاً، إلا أن هذا التوجه يتطلب إعادة تقييم في ظل الأوضاع الراهنة، خاصة عندما يتعلق الأمر بجيل ما تحت سن الثلاثين، والذي يمثل ما يقرب من 60% من إجمالي السكان في مصر. فعقب زيارة الرئيس السادات للقدس، كان عليه التصدي لمعارضة عنيفة من قبل الإخوان المسلمين والأحزاب الناصرية والماركسية في مصر من جانب، ومواجهة التصعيد العربي “جبهة الرفض” التي قادتها العراق، وليبيا، وسوريا، ومنظمة التحرير الفلسطينية. فقد أدت سياسته التصالحية إلى توحد المعارضة داخل وخارج مصر، والتي أسست موقفها على أيديولوجيتي القومية العربية والإسلاموية واللتين تعملان تحت لافتة معارضة السلام والتطبيع مع إسرائيل. وقد حاول النظام المصري الدفاع عن إجراءات صناعة السلام باستخدام معلومات مختلفة وآليات الدعاية التي يمتلكها. ومع ذلك، خلق التحريض طويل الأمد ضد إسرائيل تحدي أثبت قوته، ولم يرغب إلا قلة من الأطراف المستقلة أو المثقفين في مصر رغبتهم في دعم السلام والتطبيع بشكل علني.

منذ حقبة تسعينات القرن الماضي، أصبح السلام مع إسرائيل الخيار الاستراتيجي المعلن لمنظمة التحرير الفلسطينية، وأغلب الدول العربية، وجامعة الدول العربية. إلا أن الرأى العام المصري ظل مترددا فيما يتعلق بتغيير سلوكه حيال تلك المسألة. فبإستثناء عدد قليل من الكتاب والمفكريين أصحاب التوجة الليبرالي الذين كانوا على استعداد لدفع ثمن شخصي والمخاطرة بالتعرض للعقوبة من النقابات المهنية، لم توافق أية قوى اجتماعية أو سياسية كبيرة على تبنى السلام مع إسرائيل، ومواجهة معارضي التطبيع، وأخذ خطوات لنشر قيم المصالحة، والتعايش، وقبول الآخر. ويرجع السبب في ذلك إلى أمرين. الأول، هو النظام المصري الذي يمنع نشوء معسكر سلام مستقل يعمل خارج احتكار مؤسسات النظام. وما يثير السخرية، أن نفس النظام الذي وقع اتفاقية السلام مع إسرائيل سمح لمعارضي السلام بالهجوم على الأفراد الذين تحدثوا بشكل علني لصالح السلام والتطبيع وحاولوا بناء قنوات اتصال مستقلة مع إسرائيل. ثانيا، تبنى الكثير من المفكرين والنشطاء المنتمين للتيار الليبرالي في المجتمع المصري، وهم بطبيعة فكرهم أكثر المرشحيين لقيادة معسكر مصري لتحفيز السلام الديمقراطي، موقفا معاكسا: وهو، بدلا من الحديث علانية تأييدا للسلام، فقد جادلوا بأن نظام ديمقراطي منتخب سيسمح لمصر بالوقوف في وجه إسرائيل بقوة أكبر تفوق نظام غير منتخب.

وعلى الصعيد ذاته، قد خلقت ثورتي 25 يناير، 2011 و 30 يونيو، 2013 ديناميكية جديدة تحمل إمكانية تحقيق تغير إيجابي تاريخي في الرأى العام المصري فيما يتعلق بالسلام والتطبيع مع إسرائيل، خاصة بين جيل الشباب. فبالرغم من أن الثورتين لم يشهد أيا منهما نجاحا ملحوظا في إحداث الإصلاح السياسي المنشود، إلا أنهما نجحتا في خلق ثورة ثقافية عميقة على مستوى وعي المجتمع المصري وادركه بصفة عامة. ففى مقال نشرته مجلة الفورين بوليسي، أشارت إلى ثلاثة مظاهر لهذه الثورة وهى، ظاهرة خلع الحجاب في المجتمع المصري، وزيادة عدد الملحدين، والظهور العلني للمثليين جنسياً وفي نفس السياق، ثمة ظواهر أخرى مثل انهيار الهوية العربية الاسلاموية لصالح صعود الهويتين المصرية والإنسانية؛ وكذلك، تحرر الشباب والشابات من إملاءات أسرهم؛ وأيضا العلاقات الجنسية خارج الزواج؛ والأهم من كل ذلك، إنهيار السلطة الأبوية في صورها الإجتماعية، والسياسية، والدينية.

بالإضافة إلى ذلك، أنبتت الثورتين جيلاً مصرياً شاباً يحمل توجهات علمانية – ليبرالية، جيل لا يخجل من مواجهة آباءه ونقد تقاليد الماضي المهيمنة على المجتمع والدين والوطن. ففي مقال منشور بجريدة الأهرام في سبتمبر 2017 تحت عنوان “الشباب لا يحبون كبار السن في مصر”، يناقش أحمد أبو دوح أن الثورتين قد احدثت تغيرا في الدولة المصرية بشكل يفوق التصور، وأن الدولة حاليا منقسمة بين جيلين يتحدثان بلغتين مختلفتين، الأمر الذي اسفر بدوره عن وجود مشكلة في احداث التواصل بينهما. فالجيل الأكبر يتبنى القيم التي تربى عليها خلال حقبتي الخمسينات والستينات من القرن الماضي، بينما جيل الشباب يجنح نحو القيم الجديدة ويدعو إلى إدخال تغيرات جذرية ملموسة. وهذا الانقسام بين الأجيال لا يقتصر على المدن فحسب؛ بل يمتد ليشمل القرى أيضا ويقوض المجتمع المصري من أساسه, فالجيل الجديد المسلح بالهواتف الذكية، يصر اليوم على إعادة تقييم “كل صواب” والجدل مع الآباء، ليتركهم محرجين وغير قادرين على تقديم ردودا مقنعة لتلك العقول المتفتحة. ووفقا لأبو دوح، “مصر خلال عقد من الآن لن تكون مصر التى نعرفها. على الدولة والمجتمع ورجال الدين والمثقفين والشباب والكبار أن يستعدوا لذلك.”

وقد اثر هذا التغير الثقافي-الاجتماعي العميق بطبيعة الحال على الطريقة التي ينظر بها الجيل المصري الجديد إلى علاقات بلاده مع إسرائيل. فجيل آبائهم أشربهم عداء إسرائيل عبر ترديد شعارات القوميين العرب التي بثتها آلة الدعاية الناصرية خلال عقدى الخمسينات والستينات، والتي تقبلتها هذه الأجيال دون نقاش احتراما للسلطة الأبوية. إلا أن هذا المفهوم قد تغير إلى حد بعيد منذ تدهور وضع الأجيال الجديدة على كافة الأصعدة، السياسي والاقتصادي والاجتماعي، جيل شهد آباءة يستسلموا للنظام، ويتجنبوا أى مواجهة معه، بل في بعض الأحيان ينحازوا له ضد أبنائهم. فقد ثار الجيل الجديد ضد مؤسسات النظام وضد مؤيدية، حتى لو كان هذا يعني الثورة على آباءهم أنفسهم. وقد نجم عن هذا الصراع بين الأجيال تراجع كل عناصر موروثاتهم، بما في ذلك عدائهم تجاة إسرائيل، لتصبح المنظومة برمتها مواضيع تحتاج لإعادة النظر.

ووفقاً لهذه القاعدة، يتبنى جيل الشباب المصري وجهات نظر أكثر رشادة من تلك التي يتبناها أبائهم والتي غذتها الدعاية الكاذبة والمحرضة. فالكثير من جيل الشباب لم يعد خاضع للتأثير المضلل للدعاية العروبية والاسلاموية؛ فقد كون هذا الجيل رؤيته لإسرائيل وفقا للمصالح العملية لمصر ومعارضا لحرب تدمر الاقتصاد المصري و تؤدي إلى شلال من الدم. هذا الشباب المصري، الذي يستسقي معلوماته عبر الانترنت، بدأ في طرح أسئلة لم تكن تُطرح من قبل، مثل، هل عداء إسرائيل غير المبرر حقيقي أم متخيل؟ هل يخدم هذا العداء المصالح المصرية أم يضر بها؟ ما هو الأفضل لمصر – حالة الحرب أم حالة السلام؟ من هو العدو الحقيقي – الدول التي تدعم الإسلام السياسي والارهاب في شبة جزيرة سيناء، أم إسرائيل، التي تساعد الجيش المصري في حربه ضد الارهاب؟ مثل هذه الأسئلة خلقت خطاباً جديداً، فعلى سبيل المثال، في يوليو 2014 كتب محمد الشيمي عضو حزب المصريين الأحرار مقال بعنوان “إسرائيل ليست العدو”، ووفقا للشيمي، الأعداء الحقيقيين الذين يهددوا سلامة مصر بما في ذلك “الإخوان المسلمون وحماس وداعش وقطر وتركيا وكل من يدعم قيم التخلف والإرهاب بداخل مصر أو على حدودها.”

على صعيد متصل، لم يعاصر جيل الشباب المصري معاناة من جراء الصراعات العنيفة والحروب، والتي عايشها الجيل السابق له. على العكس، يلاحظ الشباب المصري في الوقت الحاضر التعاون اللصيق بين النظام المصري وإسرائيل، ومن الطبيعي طرح تساؤلات بشأن سبب منع المدنيين مما هو مسموح للحكومة. هذه المقاربة كانت واضحة في رد الفعل المتعاطف الذي حصل علية أحد كُتاب هذا المقال على مواقع التواصل الاجتماعي في ضوء منشور له في يناير 2017، بعد رفض منحة تصريح للسفر لتلبية دعوة لحضور مؤتمر في إسرائيل. وبالرغم من غياب أي استطلاع رأى حول الموضوع، إلا أن الحوار مع مئات الشباب المصري – خاصة الليبراليين – تكشف أن الأغلبية منهم تؤيد السلام والتطبيع. إلا أن هذه القوى الجديدة مازالت لم تتبلور في شكل حركة واسعة النطاق أو حزب سياسي منظم نظرا للقيود المفروضة في مصر الأن، ولهذا من الصعب تقدير عددهم بدقة. كما أن ترجمة هذا التوجه إلى قوة تصويتية، وفي نهاية المطاف قوة سياسية، يتطلب توافر مناخاً ديمقراطياً ومساحة من حرية التعبير.

العقبات الحائلة دون العلاقات الدافئة

إن صعود جيل شاب علماني ليبرالي في مصر، يرفض القومية العربية والإسلام السياسي ويدعم السلام مع إسرائيل، يخلق فرصة لعلاقات أكثر دفئاً بين الشعبين المصري والإسرائيلي، وإضافة بُعد مدني بجانب التعاون الأمني الوثيق القائم منذ زمن طويل بين الدولتين. إلا أن تحول هذا الجيل إلى معسكر مهيمن ومؤثر يواجه ثلاث عقبات رئيسية في مصر وإسرائيل، يتعين التغلب عليها واجتيازها من أجل تحقيق الاستفادة بشكل كامل من الفرصة الحالية بهدف رسم صورة جديدة لسلام قائم على التعايش وقبول الآخر، علاوة على توطيد العلاقات فيما بين المواطنين في الدولتين.

تتمثل العقبة الأولى والأكثر أهمية في الميل المستمر للمؤسسات المصرية، لأسباب سياسية واقتصادية، للحفاظ على احتكار العلاقات السلمية مع إسرائيل. فعلى المستوى السياسي، تقييد تعبير المدنيين عن السلام يساعد في تقوية صورة النظام الدولية باعتبارة القوة الوحيدة في مصر الملتزمة بالحفاظ على اتفاقية السلام مع إسرائيل، بينما يعتبر أي بديل آخر ديمقراطي سيؤدي في أفضل الأحوال إلى إنهاء اتفاقية السلام، وفي أسوأها إلى إندلاع حرب مصرية – إسرائيلية. أما على المستوى الإقتصادي، يمنح السلام مع إسرائيل النخبة الاقتصادية فرصة حصرية ومحددة لتحقيق الأرباح الرأسمالية في قطاعات مثل الغاز الطبيعي والتجارة البحرية، والمنسوجات (بطرق مثل اتفاق الكويز)، بينما لا يذهب سوى جزء ضئيل من عائدات هذا التعاون الاقتصادي إلى عموم المصريين. هذه الحقيقة الاقتصادية لها تأثير ضار على صورة السلام مع إسرائيل في أعين المصريين، الذين يعتقدون أن هذا السلام هو “سلام فاسد”. كذلك، يربط هذا السلوك إسرائيل بظاهرة الفساد الداخلي في مصر، مما يفقد المواطنيين المصريين الاحساس بأن السلام يحقق لهم مصالح مباشرة، ويحرمهم الحافز للاحساس بالحماس لبلوغ هذا السلام، ففي ظل أجواء مغايرة للاوضاع الحالية، لاستشعر المصريون اهمية تحقيق هذا السلام، والعمل على تعميق جذورة.

وبهدف الحفاظ والتشديد على إحتكارها للسلام، لا تتردد المؤسسات المصرية في تلويث سمعة العناصر المدنية التي تبحث عن نصيبها الخاص من العلاقات مع إسرائيل. فقد بينت التجارب السابقة أن المفكرين والنشطاء المصريين الذين يتجرأوا على بناء جسور للتعاون مع إسرائيل خارج المظلة المؤسسية يغامرون بتعريض أنفسهم للعقوبة، مما يجعل ثمن تأييد التطبيع وابراز فوائده للشعب المصري باهظاً للغاية ولا يمكن تحمل تبعاته، الأمر الذي يسفر بدوره عن ردع أي صوت سياسي أو مدني عن المشاركة في قضية السلام. وفي هذا السياق، يمكن رؤية اسقاط عضوية عضو البرلمان المصري توفيق عكاشة بعد أن استضاف السفير الإسرائيلي السابق حاييم كورين في منزله في فبراير 2013. فقد نشر الاعلام دعاية عامة تروج لنظرة المؤسسات المصرية المتعلقة “بالمؤامرة” الإسرائيلية على مصر ودول المنطقة وهو ما يساهم في إسكات الأصوات المؤيدة للسلام. وزادت من حدة التحريض ضد إسرائيل وتخوين العناصر المصرية التى تحاول تحفيز “السلام الإيجابي” واتخاذ خطوات في اتجاه المزيد من التعاون خارج احتكار مؤسسات الدولة.

يعد العائق الثاني أمام تقدم عملية السلام بين الشعبين هو استمرار حس التضامن مع الفلسطنيين. فالسنوات القليلة الماضية قد شهدت اهتماماً أقل بين الشباب المصري بالصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، وهو توجه جديد لا يقتصر على مصر فحسب. فقد بين استطلاع للرأى في أوائل عام 2017 بين الشباب في الدول العربية، بما فيها مصر، أن الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني يأتي في المرتبة الثامنة لأكبر التهديدات الإقليمية، على نحو يقل بكثير ما تشكله تهديدات أكثر خطورة مثل البطالة، والارهاب، وتكاليف المعيشة. في نفس الوقت، ومن وجهة نظر مصرية برجماتية، فإن تأسيس دولة فلسطينية داخل حدود 1967 هو مصلحة وطنية مصرية. وهذه الحقيقة أصبحت واضحة منذ استيلاء حماس على قطاع غزة عام 2007 وتحوله إلى معقل لدعم مجموعات السلفية الجهادية الارهابية في شبة جزيرة سيناء، ومن ثم تهديد الأمن القومي المصري. فغياب تسوية سياسية بين إسرائيل والفلسطينيين يدعم قوة حماس ويزيد من خطر التهديد القادم لمصر من قطاع غزة. بالإضافة لذلك، لا يستطيع الشعب المصري تجاهل المأساة الإنسانية الناتجة عن استمرار الصراع مع الفلسطينيين. وهذا لا يعني أن المسألة الفلسطينية تمثل السبب الوحيد، أو حتى السبب الرئيسي للطبيعة “الباردة” للسلام المصري الإسرائيلي. ومع ذلك، فحل هذه القضية من شأنه تعزيز قدرة المصريين الداعميين للسلام وتجريد معارضي التطبيع من أحد أهم أدواتهم المؤثرة التي يمتلكونها الأن.

أما العائق الثالث والذي يقف حجر عثرة أمام علاقات اكثر دفئاً، فيتمثل في الهوة السياسية والأخلاقية العميقة التي تفصل معسكر السلام الليبرالي في مصر عن الحكومة اليمينية في إسرائيل. فالجيل الجديد في مصر يحمل توجهات ليبرالية، وهؤلاء الذين يتبنون القومية المصرية يؤكدون على بُعدها الإنساني كمناقض للقومية المتعصبة. فهم يعارضون قتل الأطفال والمدنيين الإسرائليين على يد الجماعات الارهابية الفلسطينية تماما كما يعارضوا قتل الأطفال والمدنيين الفلسطينيين على يد الجيش الإسرائيلي. علاوة على ذلك، يعبر الكثير منهم عن تفهمهم للاحتياجات الأمنية الإسرائيلية. إلا أنهم يرون في الإجراءات التي تتخذها الحكومة الإسرائيلية – مثل مصادرة الأراضي لصالح المستوطنات في الضفة الغربية، واستخدام العقوبات الجماعية ضد أسر الارهابيين، واستخدام القوة المفرطة ضد المدنيين الفلسطينيين – إجراءات عنصرية رافضة للآخر تسير عكس القيم الإنسانية العالمية. بالإضافة لذلك، تدعم العناصر المتطرفة داخل إسرائيل نظرائهم من المتطرفيين القوميين والدينيين في مصر، حيث يستغل معارضي السلام في مصر خطاب المتطرفيين الإسرائليين لزيادة العداء لإسرائيل واثبات أن يد إسرائيل ليست ممدودة بالسلام، مع عين على الحياة المشتركة. على سبيل المثال، تصريحات بعض السياسيين اليمينيين فيما يتعلق باقامة دولة فلسطينية في شبة جزيرة سيناء والتهديد بتدمير السد العالي قد تم استخدامها عبر سنوات لدعم العداء ضد السامية وتبرير الرأى أن على مصر النظر إلى إسرائيل باعتبارها دولة عدو.

وفي ذات السياق، تعتبر أحد سمات المعسكر الليبرالي الحديث الذي ظهر في مصر على خلفية الثورات الأخيرة، هو إصراره على الطبيعة العلمانية للدولة المصرية ومعارضة أى نوع من الخلط بين الدين والدولة. وهذا المعسكر يعارض تأسيس الدول على أساس ديني، بغض النظر عن ما إذا كانت الدولة محل البحث إسلامية، أو يهودية، أو مسيحية. على هذه الأرضية، ما يفهم في بعض الأحيان على أنه خلط للدين بالدولة في إسرائيل يخلق صعوبة واضحة وصراع داخلي للشباب المصري، والذي يتسأل كيف أعارض الدولة الدينية في مصر وفي نفس الوقت أدخل في شراكة مع دولة ذات سمات دينية – قومية.

خاتمة وتوصيات

بعد مرور أربعون عاما على زيارة الرئيس السادات للقدس، مازال السلام المصري – الإسرائيلي “باردا”. إلا أن الظروف الراهنة تقدم للأطراف فرصة لتحديث مكوناته. فآفاق السلام الدافئ مدعومة بمصالح وتهديدات إقليمية مشتركة، والتنسيق الأمني الوثيق ضد الارهاب، وعلاقات الثقة بين الأطراف الرسمية في الحكومة والجيش العاملة في الدولتين، فضلاً عن التعاون الاقتصادي الواعد، خاصة في ضوء اكتشافات الغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط. كذلك، هذا التغير الإيجابي المهم من وجهة نظر الشباب المصري لإسرائيل في أعقاب ثورات السنوات القليلة الماضية.

فقد خلقت هذه التوجهات بارقة أمل لإرساء علاقات أكثر دفئا بين الدولتين والشعبيين، إلا أن بلوغ ذلك سيتطلب إجراءات مبتكرة من قبل كل من الجانبين. فالنظام المصري، الذي شكل روح السلام البارد، لا يعمل بفاعلية لإنهاء الأساطير السلبية المتعلقة بإسرائيل واليهود المضمنة في خطاب المؤسسة المصرية، ونشر رسائل السلام والمصالحة. كذلك، على المستوى العملي، يستمر النظام المصري في الحد من التعبير عن التطبيع الذي يبتعد عن إطار العمل الرسمي للعلاقات بين الحكومتين، ولا تتوافر مساحة من الحرية الكافية لحركة المجموعات والأفراد في مصر وإسرائيل المهتمة بتطوير العلاقات الثنائية في المجالات الاقتصادية، والمجتمع المدني، والعلوم، والثقافة. وفي هذا السياق، تعد هذه السياسات إنحرافا عن مسار الرؤية الأصلية للرئيس السادات، الذي عبر في أحد لقاءاته الأخيرة عن أمله في أنه “عن طريق الاتصال المباشر اليومي الحر سوف تتخذ الأشكال والعلاقات والأشخاص، وزنها وحجمها الطبيعي.”

ولعل أحد العوائق الكبيرة التى تواجه إسرائيل اليوم، وإن كان قد أصبح أقل أهمية من السابق، هو استمرار الجمود في عملية السلام الإسرائيلية – الفلسطينية. فالنظام والشعب المصري مازالا يشعران بالتضامن مع الفلسطنيين ومعانتهم. والأكثر وضوحا، هو حقيقة نظرتهم إلى حل المشكلة الفلسطينية باعتبارها مصلحة قومية مصرية. فدوائر واسعة في مصر تعتبر تأسيس دولة فلسطينية، أو على الأقل التقدم في إتجاة الحل، إجراء سيساعد في مواجهة خطر انتشار التطرف الإسلامي داخل مصر وعبر المنطقة. كما أن الأصوات القومية المتطرفة في إسرائيل تساعد في تقوية الاتجاة الموازي داخل مصر واستمرار شيطنة إسرائيل في نظر الرأى العام المصري.

وعلى صعيد متصل، تحظى كل من الحكومتين المصرية والإسرائيلية الآن بفرصة توطيد أواصل الثقة وتوسيع العلاقات التي تطورت في المجال الأمني لتشمل مجالات أخرى، وتشجيع قيام مساحات شرعية من التعاون غير الحكومي الذي قد يتطور طبيعيا وذاتيا بين الشعبين. وللقيام بذلك، ستحتاج الأطراف الرسمية إلى التخلي عن إحتكار إدارة علاقات السلام بناء على الرغبة والمصالح المشتركة. فثمة عدد من الخطوات التي قد تضخ دماء جديدة في عروق العلاقات الاقتصادية بين الدولتين، والتي حتى الأن تسببت في نفور أغلب الشعب المصري من فكرة السلام بوصفه سلاما فاسدا. ومثل هذه الإجراءات قد تتضمن ضمان حرية الحركة للشركات، ورجال وسيدات الأعمال من الدولتين؛ وتحفيز التعاون التكنولوجي في المجالات المختلفة، مثل تحلية المياة، وزراعة الصحراء، والطاقة المتجددة، ومجالات الطب؛ وتطوير المشاريع السياحية المشتركة؛ وبناء برامج التعليم المهنى المتطور والتبادل الطلابي؛ وخفض بيروقراطية إجراءات السفر بين الدولتين والحصول على تصاريح العمل. وهذه الإجراءات يمكن أن تتحول في المستقبل إلى خطط تكامل إقليمية شرق أوسطية وبحر متوسطية. والتعاون الاقتصادي المنشود هو ما سيقدم فوائد ملموسة للمواطنين المصريين والإسرائيليين، ويجعل السلام حاضر في حياتهم، ويوطده في قلوبهم وعقولهم.

إضافة لما سبق، ثمة عملية جوهرية تختص ببناء العناصر المدنية في كل من الجانبين، والتى يمكنها المشاركة والتعاون معا في تطوير نوع جديد من السلام، يقوم على الرغبة في العيش المشترك والاعتراف المتبادل بقيم السلام والمصالحة. وقد ساهم الإعلام الجديد المعاصر، بما في ذلك الإنترنت – والذي يتمتع بشعبية وسط الأجيال الجديدة – في تخطي العديد من العقبات والقيود المفروضة من أعلى. فنشطاء السلام يمكن أن يلتقوا، ويتحاوروا، ويتبادلوا الأفكار من خلال المؤتمرات عبر الانترنت، والاستفادة من المنابر التي تمنحها مواقع التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت هذه المنابر أقوى وأكثر فاعلية من وسائل الإعلام التقليدي، والتي يسيطر على بعضها معارضي التطبيع. فإذا قامت المؤسسات المصرية بتقنين رغبة جيل الشباب المصري في تطوير علاقات سلام مصرية – إسرائيلية، وقابلها الجمهور الإسرائيلي بأذرع مفتوحة، هذه الاستجابات ستساعد في تسريع الانتقال من السلام الرسمي الموجود بالفعل، إلي السلام المدني المنشود.

واخيراً، يمثل السلام التاريخي الذي ورثته الأمتين المصرية والإسرائيلية عن الرئيس السادات ورئيس الوزراء بيجن حجر الزاوية الذي يعمل بمثابة قاعدة صلبة يتحتم تدعيمها وتطويرها. “فالجيل الجديد” الذي أشار إليه الرئيس المصري منذ أربعون عاما مضت قد أصبح موجودا بالفعل، إلا أن الأمال التي يحملها للسلام المصري – الإسرائيلي لم تتحقق بعد. كما يتوافر لدى هذا الجيل الصاعد القدرة على ترك بصمة جديدة مؤثرة على العلاقات بين الدولتين. إلا أنه في الوقت الحاضر– كما كان عليه الحال في الماضي – تحتاج هذه الأجيال إلى قيادة مبدعة تحمل رؤية اكثر اتساعا من أجل التخلص من العقابات والمعوقات التي تقف حائلاً في طريق تقدمها، وتفتح أمامها آفاقا وابواباً جديدة، تعمل على تشجيعها على مواصلة التقدم نحو ارساء مرحلة تاريخية جديدة تتناسب مع المتغيرات التي طرأت على الساحة بغية تحقيق السلام المنشود.

* مؤمن سلام، مدير موقع مصر المدنية، د. أوفير وينتر زميل معهد دراسات الأمن القومي – جامعة تل أبيب

يتقدم الكاتبان بالشكر إلى د. قوبي ميخائيل لتعليقاته الهامة

Clip to Evernote
This entry was posted in Videos. Bookmark the permalink.